كيف تطورت صناعة السيارات الكهربائية الهندية في غياب الصانع الصيني
تُعد الصين اليوم اللاعب الأكبر عالميًا في صناعة السيارات الكهربائية، حيث تنتج أكثر من 70% من إجمالي السيارات الكهربائية في العالم، وأصبحت علامات صينية بارزة مثل BYD و إكس بينج Xpeng و جيلي Geely من أبرز السيارات الكهربائية انتشارًا عالميًا.
غير أن هذا الانتشار الواسع يتأثر بشده عند حدود الهند، ثالث أكبر سوق سيارات في العالم، حيث واجهت الطموحات الصينية جدار تنظيمي صارم فرضته نيودلهي خلال السنوات الأخيرة.
جذور القيود ..السياسة قبل الصناعة
في أبريل 2020، أعلنت الحكومة الهندية أن أي استثمار قادم من دول تشترك معها في حدود برية، وعلى رأسها الصين، سيخضع لموافقة حكومية مسبقة. وجاء القرار في ذروة جائحة كوفيد-19، ووفقًا للتبرير الرسمي كان الهدف منع ما وصفته نيودلهي بـ”الاستحواذات الانتهازية” على الشركات الهندية في فترة ضعف اقتصادي عالمي.
لكن التوتر تصاعد بشكل أكبر في يونيو من العام نفسه بعد وقوع اشتباك حدودي دامٍ بين الهند والصين، ما دفع السلطات الهندية إلى تشديد الرقابة على الاستثمارات الصينية بصورة أوسع وأكثر صرامة، وهو ما انعكس بشكل مباشر على قطاع السيارات الكهربائية.
مكاسب محلية ..وتقدم هندي واضح
هذا الإطار التنظيمي أتاح لشركات السيارات الهندية المحلية فرصة ذهبية للتقدم، حيث تمكنت علامتان هما تاتا موتورز Tata Motors وماهيندرا آند ماهيندرا Mahindra & Mahindra من الاستحواذ على نحو 58% من إجمالي السيارات الكهربائية المباعة في الهند خلال الفترة من يناير إلى نوفمبر 2025، والتي بلغت 160 ألفًا و628 سيارة.
في المقابل، بدأت العلامات الصينية، أو تلك التي ترتبط بشراكات مع شركات صينية، في تضييق الفجوة تدريجيًا، ومن بينها JSW MG Motor و BYD وفولفو Volvo، خاصة مع التحسن النسبي في العلاقات بين نيودلهي وبكين خلال الفترة الأخيرة.
من صفر إلى ثلث السوق خلال 6 سنوات
في عام 2019، لم تسجل العلامات الصينية أي مبيعات للسيارات الكهربائية في السوق الهندية. أما اليوم، فقد باتت تستحوذ على ما يُقدّر بنحو 33% من السوق من حيث الحجم، في تحول يعكس سرعة التغير في المشهد، رغم القيود التنظيمية والرسوم الجمركية المرتفعة.
ويرى مراقبون أن هذا التقدم قد يمهد لمنافسة شرسة خلال السنوات المقبلة بين عمالقة التنقل الكهربائي الصينيين والشركات الهندية التي تمتلك حاليًا أفضلية البداية المبكرة. ويُجمع كثيرون على أن السيارات الكهربائية الصينية، المعروفة بتقنياتها المتقدمة وتجهيزاتها المبتكرة، قد تشهد قفزة كبيرة في المبيعات إذا ما طُرحت بأسعار تنافسية تتناسب مع طبيعة السوق الهندية.
البحث عن أسواق جديدة ..الهند هدف استراتيجي
أصبح التوسع الخارجي ضرورة ملحة لشركات السيارات الكهربائية الصينية، مع وصول السوق المحلية في الصين إلى مستويات تشبع مرتفعة. وفي عام 2024، أنفقت الشركات الصينية على إنشاء مصانع خارج الصين أكثر مما أنفقته داخل البلاد للمرة الأولى، رغم أن مساعيها التوسعية واجهت مقاومة واضحة، ليس فقط في الهند، بل أيضًا في الولايات المتحدة، ثاني أكبر سوق سيارات في العالم.
في الوقت ذاته، تشهد مبيعات السيارات الكهربائية في الهند نموًا متسارعًا، حيث تمثل حاليًا نحو 5% من إجمالي مبيعات سيارات الركوب، مقارنة بنسبة 2.6% في السنة المالية المنتهية في مارس 2025. وقد بلغت مبيعات سيارات الركوب في الهند 4 ملايين و340 ألف وحدة خلال السنة المالية 2024-2025.
أهداف طموحة وتحول بيئي
تسعى الحكومة الهندية إلى رفع حصة السيارات الكهربائية إلى 30% من إجمالي مبيعات سيارات الركوب بحلول نهاية مارس 2030. ويأتي هذا التوجه في إطار سياسة أوسع للحد من الاعتماد على الوقود الأحفوري وتحسين الصحة العامة، في ظل معاناة المدن الهندية من مستويات مرتفعة من تلوث الهواء الناتج بدرجة كبيرة عن انبعاثات السيارات والدراجات النارية والشاحنات والحافلات.
ومع هذا التحول، تواجه شركات السيارات الهندية قلقًا بشأن قدرتها على الحفاظ على صدارتها على المدى الطويل أمام الشركات الصينية الغنية، بما في ذلك تلك المملوكة للدولة أو المدعومة من الحكومة الصينية.
المنافسة بشروط متكافئة
في هذا السياق، صرّح راجيش جيجوريكار Rajesh Jejurikar، المدير التنفيذي لقطاعي السيارات والمعدات الزراعية في ماهيندرا آند ماهيندرا Mahindra & Mahindra، أن شركات السيارات الهندية منفتحة على المنافسة مع العلامات الصينية، شريطة أن تتم المنافسة على “أسس متكافئة” مع الالتزام بمعايير التوطين المحلية في الهند.
من جانبه، أكد شيليش تشاندرا Shailesh Chandra، العضو المنتدب والرئيس التنفيذي لشركة Tata Motors Passenger Vehicles Limited، في تصريحات إعلامية بتاريخ 23 ديسمبر، أن أي لاعب أجنبي يسعى للاستفادة من السوق المحلية يجب أن يستثمر في التوطين وخلق فرص العمل داخل الهند.
تحذيرات الخبراء ..السباق لن يكون سهلًا
يرى خبراء الصناعة أن تخفيف القيود المفروضة على شركات السيارات الكهربائية الصينية قد يضع الشركات الهندية أمام اختبار صعب. وقال بونيت جوبتا Puneet Gupta، مدير سوق السيارات في الهند ورابطة دول جنوب شرق آسيا لدى S&P Global Mobility، إن الشركات الهندية قد تواجه تحديات كبيرة إذا لم تكن قادرة على المنافسة من حيث القيمة والتكنولوجيا وتلبية توقعات المستهلكين.
وأضاف جوبتا، في تصريحات له، أن السماح بالاستثمارات الصينية، مع ضمان مساهمتها في بناء منظومة متكاملة للتنقل الكهربائي تشمل البنية التحتية للشحن وإعادة تدوير البطاريات وتصنيع الخلايا، قد يكون مفيدًا للهند على المدى الطويل، مؤكدًا أن دخول الصينيين سيُسرّع وتيرة التصنيع ونقل التكنولوجيا.
صناعة استراتيجية تحت الحماية
تظل الحكومة الهندية حريصة على حماية قطاع السيارات، الذي يُعد ركيزة أساسية للاقتصاد، بإيرادات سنوية تقارب 240 مليار دولار أمريكي، ويوفر نحو 30 مليون وظيفة، من بينها أكثر من 4 ملايين وظيفة مباشرة. كما تُعد الهند قاعدة تصنيع وتصدير مهمة لشركات عالمية مثل تويوتا Toyota وهيونداي Hyundai، وتسعى في الوقت نفسه إلى التحول إلى مركز عالمي لتصنيع السيارات الكهربائية.
دخول حذر ..ومنافسة محتدمة
حتى الآن، لا تدير أي شركة سيارات صينية مصنعًا مملوكًا لها بالكامل في الهند. وتأمل BYD في إنشاء أول مصنع لها داخل البلاد، لكنها لم تعلن جدولًا زمنيًا واضحًا. وفي عام 2023، رفضت الحكومة الهندية مقترحًا مشتركًا بين BYD وشريك محلي لإنشاء مصنع سيارات كهربائية وبطاريات بقيمة مليار دولار أمريكي، لأسباب تنظيمية.
حاليًا، تعتمد BYD على استيراد السيارات كاملة الصنع من الصين أو تجميعها محليًا باستخدام مجموعات مستوردة، ورغم الرسوم الجمركية المرتفعة، ارتفعت مبيعاتها في الهند بنحو 80% خلال عام 2025 مقارنة بالعام السابق.
وتسعى علامات صينية أخرى مثل إكس بينج Xpeng وجيلي Geely وشيري Chery لدخول السوق الهندية، في حين تُعد JSW MG Motor، وهي مشروع مشترك بين مجموعة JSW الهندية وشركة سايك موتور SAIC Motor الصينية، أكبر بائع للسيارات الكهربائية ذات الأصل الصيني في الهند، بعد أن باعت 47 ألفًا و574 سيارة كهربائية بين يناير ونوفمبر 2025، محتلة المركز الثاني بعد تاتا موتورز وقبل ماهيندرا آند ماهيندرا.











