كيف غيّرت نيسان GT-R صناعة السيارات إلى الأبد؟
لم يكن عام 2007 عامًا مفصليًا في عالم السيارات بسبب إطلاق نيسان Nissan GT-R فقط، بل لأنه شهد ولادة واحدة من أكثر السيارات تأثيرًا في تاريخ هندسة المركبات الحديثة. فعلى الرغم من أن السيارة اشتهرت بمحركها القوي، ونظام الدفع الرباعي، وأرقام أدائها التي وضعتها بين أسرع السيارات الرياضية في العالم، فإن التأثير الحقيقي لـ GT-R لم يكن في القوة الميكانيكية وحدها، بل في البرمجيات وأنظمة التحكم الإلكترونية التي أعادت تعريف طريقة تعامل السيارات مع المنعطفات والثبات الديناميكي.
ومنذ ظهورها الأول، قدمت نيسان GT-R قوة بلغت 473 حصانًا، مع نظام دفع رباعي متطور، وسجلت زمنًا قدره 7 دقائق و38 ثانية على حلبة نوربورجرينج Nürburgring الألمانية، وهو رقم أثار اهتمام صناعة السيارات وقتها، إلا أن الإنجاز الأكبر كان في اعتماد السيارة على منظومة إلكترونية متقدمة للتحكم في ديناميكية القيادة، وهي التقنية التي أصبحت فيما بعد أساسًا تعتمد عليه معظم السيارات الرياضية الحديثة.
بداية عصر البرمجيات في السيارات الرياضية
قبل ظهور GT-R، كان مهندسو السيارات يعتمدون بصورة شبه كاملة على الحلول الميكانيكية لتحسين ثبات السيارة وسلوكها أثناء القيادة، من خلال تطوير أنظمة التعليق والهياكل ونقاط تثبيت العجلات. ومن أشهر هذه الحلول نظام Weissach Axle الذي استخدمته بورشه Porsche، وأنظمة التعليق المتطورة التي قدمتها مرسيدس بنز Mercedes-Benz في طراز 190E.
وكانت تلك الحلول تحقق نتائج جيدة، لكنها كانت تواجه حدودًا هندسية واضحة، إذ إن زيادة صلابة أنظمة التعليق لتحسين الثبات كانت تؤثر سلبًا على راحة الركوب، بينما كان الحفاظ على الراحة يعني تقديم تنازلات في الأداء الرياضي.
ومع تطور أدوات المحاكاة الهندسية خلال العقد الأول من الألفية، أصبح بالإمكان تصميم هياكل أكثر صلابة مع الاحتفاظ بقدرتها على امتصاص الاهتزازات، إلا أن نيسان قررت الذهاب إلى مرحلة أبعد من ذلك.
كازوتوشي ميزونو ورؤية مختلفة
قاد مشروع تطوير GT-R المهندس الياباني كازوتوشي ميزونو Kazutoshi Mizuno، الذي تبنى فلسفة أثارت الكثير من الجدل في ذلك الوقت، إذ كان يرى أن زيادة الوزن ليست دائمًا أمرًا سلبيًا.
وأوضح ميزونو أن الوزن الإضافي يمكن أن يعني زيادة الحمل الواقع على الإطارات، وبالتالي تحسين مستويات التماسك، لكن الهدف الحقيقي لم يكن زيادة الوزن في حد ذاته، بل تعزيز صلابة هيكل السيارة ومكوناتها الرئيسية.
ولهذا السبب حصلت GT-R على مستويات مرتفعة جدًا من الصلابة الالتوائية، حيث تحدثت نيسان وقتها عن أرقام تجاوزت 50 ألف نيوتن متر لكل درجة في بعض أجزاء الهيكل والإطارات الفرعية، وهي مستويات تقترب حتى اليوم من أكثر السيارات الرياضية تطورًا.
ورغم ذلك، كانت GT-R تعتمد أساسًا على منصة FM المستخدمة في نيسان Nissan 350Z ونيسان Nissan 370Z، مع تعديلات لاستيعاب ناقل الحركة الخلفي، كما احتفظت بهندسة تعليق مشابهة لتلك الموجودة في 370Z، وحتى محرك VR38DETT تم تركيبه فوق المحور الأمامي بطريقة تقليدية.
التحول الحقيقي ..التحكم الإلكتروني في السيارة
أدرك فريق التطوير أن الحلول الميكانيكية وحدها لن تكون كافية للوصول إلى الأداء المستهدف، لذلك اتجه إلى البرمجيات وأنظمة التحكم الإلكترونية.
في عام 2007 كانت أنظمة التحكم الإلكتروني في المحركات والثبات لا تزال في بداياتها، إلا أن شركات مثل BMW كانت قد بدأت بالفعل في تطوير وحدات إدارة محرك أكثر تطورًا بالتعاون مع Bosch وSiemens وContinental.
واعتمدت تلك الأنظمة على مفهوم جديد، إذ لم تعد دواسة الوقود تتحكم مباشرة في فتح صمام الهواء، بل أصبحت تمثل طلبًا لعزم معين، بينما تتولى وحدة التحكم الإلكترونية تحديد أفضل طريقة لتوليد هذا العزم باستخدام آلاف الحسابات المتعلقة بكمية الوقود، وتوقيت الإشعال، وفتح الصمامات المتغيرة، وحالة المحرك.
وسمح هذا الأسلوب بالحصول على تحكم أكثر دقة في إنتاج القوة، وتحسين أنظمة الجر والثبات، بالإضافة إلى تقليل الانبعاثات.
نظام ABS المتطور كان أحد أسرار GT-R
اعتمدت نيسان GT-R أيضًا على نسخة خاصة من نظام المكابح المانع للانغلاق ABS تعرف باسم MK61، والمشتقة من نظام ATE MK60E5.
وكان هذا النظام يمثل قفزة كبيرة مقارنة بأنظمة ABS التقليدية، إذ استخدم خمسة مستشعرات مستقلة لقياس ضغط المكابح، واحدًا لكل عجلة بالإضافة إلى مستشعر لدواسة المكابح.
وأتاح ذلك التحكم في ضغط الكبح لكل عجلة بصورة مستقلة، مع إمكانية توزيع قوة الكبح حتى بين العجلتين الموجودتين على المحور نفسه، إضافة إلى قدرة النظام على تطبيق الكبح تلقائيًا دون تدخل السائق عند الحاجة.
وفي الوقت الذي كانت معظم سيارات نيسان الأخرى تستخدم أنظمة ABS من Bosch، جاءت GT-R بهذا النظام الأكثر تطورًا لدعم منظومة التحكم الديناميكي الجديدة.
نظام VDC.. السلاح السري
اعتمدت GT-R على نظام Vehicle Dynamic Control أو VDC، الذي لم يكن يعمل فقط لإنقاذ السيارة عند فقدان السيطرة، بل كان يتدخل بصورة استباقية لتحسين الأداء داخل المنعطفات.
فعند دخول المنعطف واكتشاف بداية حدوث انزلاق أمامي، كان النظام يطبق ضغطًا بسيطًا للغاية على المكبح الداخلي للعجلة الخلفية، وإذا استمر السائق في زيادة زاوية التوجيه، كان يضيف ضغطًا محدودًا على العجلة الأمامية الداخلية أيضًا.
أما إذا شعر النظام بأن السيارة بدأت تنحرف بصورة غير مرغوبة، فإنه كان يستخدم المكابح الخارجية لإعادة السيارة إلى المسار المثالي.
وكانت جميع هذه التدخلات تتم بصورة دقيقة للغاية تكاد تكون غير محسوسة بالنسبة للسائق، لكنها تؤدي إلى زيادة التماسك أثناء أهم مراحل اجتياز المنعطف، وهي المرحلة الواقعة بين رفع القدم عن المكابح والوصول إلى نقطة Apex.
وأشارت إحدى المجلات الهندسية الإيطالية إلى أن هذه التقنية كانت قادرة على زيادة مستويات التماسك بما يتراوح بين 0.1 و0.2 جي، وهي زيادة ضخمة في عالم ديناميكية المركبات.
منظومة أصبحت معيارًا عالميًا
لم يقتصر تأثير GT-R على نجاحها التجاري أو الرياضي، بل امتد إلى معظم السيارات الحديثة. فاليوم تعتمد غالبية السيارات الرياضية وسيارات الأداء العالي على أنظمة مشابهة، طورتها شركات مثل Bosch وContinental، وأصبحت ترتبط بأنظمة التوجيه الخلفي، والتروس التفاضلية الإلكترونية، والمحركات الكهربائية، ووحدات القياس الحركية سداسية الأبعاد.
وتستفيد سيارات مثل هوندا سيفيك Honda Civic Type R، وطرازات BMW M، وسيارات أستون مارتن Aston Martin، ومرسيدس AMG Mercedes-AMG، وبورشه Porsche من هذه الأنظمة لتحقيق مستويات أعلى من الثبات والأداء.
ورغم أن بعض عشاق القيادة يرون أن هذه الأنظمة قللت من الإحساس الميكانيكي التقليدي للسيارة، فإنها أصبحت عنصرًا أساسيًا في تحقيق أفضل مستويات الأداء والسلامة.
إرث GT-R لا يزال مستمرًا
بعد مرور سنوات طويلة على إطلاقها، لا تزال نيسان GT-R تمثل واحدة من أكثر السيارات تأثيرًا في تاريخ الصناعة، ليس فقط بفضل محركها أو سرعتها، وإنما لأنها كانت من أوائل السيارات التي أثبتت أن البرمجيات يمكن أن تكون بنفس أهمية المحرك ونظام التعليق.
وبفضل تلك الفلسفة، انتقلت صناعة السيارات من الاعتماد الكامل على الحلول الميكانيكية إلى عصر تتحكم فيه الخوارزميات والبرمجيات في طريقة تسارع السيارة، وكبحها، ودخولها المنعطفات، لتصبح GT-R نقطة البداية لعصر جديد من هندسة السيارات الرياضية.










