كيف تستطيع السيارات الخارقة الالتصاق بالطريق باستخدام المراوح؟ تقنية McMurtry Spéirling تكشف السر
تعتمد معظم السيارات الخارقة على الأجنحة الخلفية الضخمة والمشتتات الهوائية والتصميمات المدروسة للهيكل، بهدف توليد القوة الضاغطة Downforce وتعزيز التماسك على الطريق أو الحلبة. لكن بعض السيارات الأكثر تطرفًا في عالم الأداء تتبنى أسلوبًا مختلفًا تمامًا، من خلال استخدام مراوح عملاقة تسحب الهواء من أسفل السيارة، لتوليد قوة ضغط تجعلها أقرب إلى الالتصاق بسطح الطريق.
ورغم أن الفكرة تبدو غير مألوفة، فإنها تعتمد على مبادئ هندسية حقيقية، وقد وصلت في إحدى السيارات الخارقة الحديثة إلى توليد قوة ضغط تتجاوز 2000 كيلوجرام، حتى في حالة توقف السيارة تمامًا.
وتعود جذور هذه التقنية إلى عقود مضت، عندما ظهرت واحدة من أكثر سيارات الفورمولا-1 إثارة للجدل، لتفتح الباب أمام مفهوم مختلف للديناميكا الهوائية، يُعرف باسم Fan-Assisted Downforce أو القوة الضاغطة المدعومة بالمراوح.
كيف تعمل تقنية المراوح على زيادة التصاق السيارة بالطريق؟
تعتمد الفكرة على تركيب مروحة في الجزء الخلفي من السيارة أو بالقرب منه، تعمل على سحب الهواء من المنطقة الموجودة أسفل الهيكل.
ويؤدي ذلك إلى خفض ضغط الهواء أسفل السيارة، بينما يظل الضغط أعلى الهيكل أكبر نسبيًا، ما ينتج عنه قوة تدفع السيارة إلى الأسفل، وتُعرف هذه القوة باسم Downforce.
وتساعد هذه القوة على زيادة الحمل الواقع على الإطارات، وبالتالي تحسين مستويات التماسك والقدرة على التسارع والانعطاف والكبح.
وتختلف هذه التقنية عن طريقة عمل الأجنحة الهوائية التقليدية؛ إذ تعتمد الطائرات على الأجنحة لتوليد قوة الرفع Lift، بينما تستفيد السيارات ذات التأثير الأرضي Ground Effect من تدفق الهواء أسفل الهيكل لتكوين منطقة منخفضة الضغط تسحب السيارة نحو سطح الطريق.
وكلما تمكن المهندسون من التحكم في تدفق الهواء أسفل السيارة بصورة أكثر دقة، زادت قدرتهم على توليد القوة الضاغطة.
وتتمثل إحدى أبرز مزايا المراوح في قدرتها على توليد القوة الضاغطة حتى عندما تكون السيارة متوقفة أو تتحرك بسرعة منخفضة للغاية، على عكس الأجنحة الخلفية والمشتتات التقليدية التي تعتمد بصورة أساسية على سرعة تدفق الهواء الناتجة عن حركة السيارة.
McMurtry Spéirling ..سيارة كهربائية تولد 2000 كجم من القوة الضاغطة
تُعد السيارة الكهربائية الخارقة McMurtry Spéirling من أبرز الأمثلة الحديثة على تطبيق هذه التقنية، إذ جرى تطويرها حول مفهوم توليد القوة الضاغطة باستخدام المراوح، بدلًا من الاعتماد بشكل رئيسي على الأجنحة والأنفاق الهوائية أسفل الهيكل.
وتستخدم السيارة مروحتين عاليتي السرعة لسحب الهواء من منطقة محكمة الإغلاق أسفل الشاسيه، ما يسمح بتوليد قوة ضغط استثنائية.
وتقول شركة McMurtry إن النسخة الإنتاجية Spéirling PURE تستطيع توليد قوة ضاغطة تصل إلى 2000 كيلوجرام، بداية من سرعة صفر كم في الساعة.
وبمعنى آخر، تستطيع المنظومة الهوائية توليد قوة ضغط أكبر من وزن السيارة نفسها، حتى قبل أن تبدأ الحركة.
وتشير الشركة إلى قدرة السيارة على تحقيق تسارع جانبي يصل إلى 3G، إلى جانب قوة كبح تصل إلى 3G، فيما تدور المراوح بسرعة تصل إلى 23 ألف دورة في الدقيقة، مع سحب الهواء عبر فلاتر ثم إخراجه من الجزء الخلفي.
وقد استعرضت السيارة قدراتها خلال مهرجان جودوود للسرعة Goodwood Festival of Speed، حيث لفتت الأنظار بقدراتها الاستثنائية على التسارع والانعطاف والتماسك.
لكن McMurtry Spéirling تظل سيارة مخصصة للحلبات، وليست سيارة خارقة تقليدية للاستخدام اليومي على الطرق العامة.
Brabham BT46B.. بداية الفكرة في سباقات الفورمولا-1
لم تظهر تقنية القوة الضاغطة المدعومة بالمراوح للمرة الأولى في السيارات الكهربائية الحديثة، إذ يعود أحد أشهر تطبيقاتها إلى عام 1978، عندما قدم المهندس جوردون موراي Gordon Murray سيارة Brabham BT46B، التي عُرفت باسم Fan Car أو السيارة ذات المروحة.
اعتمدت السيارة على مروحة كبيرة مثبتة في الجزء الخلفي، تعمل على سحب الهواء من أسفل الهيكل، مع استخدام حواجز جانبية Side Skirts للمساعدة في إحكام المنطقة أسفل السيارة، وتكوين ضغط منخفض قوي.
ومنحت هذه التقنية السيارة ميزة كبيرة، خاصة في المنعطفات البطيئة، التي كانت فيها أنظمة الديناميكا الهوائية التقليدية أقل فاعلية.
وقاد نيكي لاودا Niki Lauda سيارة Brabham BT46B إلى الفوز بسباق جائزة السويد الكبرى Swedish Grand Prix عام 1978، في مشاركتها الوحيدة بسباق ضمن بطولة العالم للفورمولا-1.
وأثارت السيارة احتجاجات من الفرق المنافسة بسبب تفوقها الهندسي، قبل أن يقرر فريق برابهام سحبها طواعية وسط الجدل الذي أحاط بها.
ولا تزال BT46B واحدة من أشهر التجارب الهندسية وأكثرها إثارة للجدل في تاريخ الفورمولا-1.
Gordon Murray T.50.. مروحة للتحكم في تدفق الهواء
عاد جوردون موراي لاحقًا إلى تطوير أنظمة الديناميكا الهوائية المدعومة بالمراوح، من خلال السيارة الرياضية GMA T.50، التي تعتمد على مروحة خلفية بارزة يبلغ قطرها 400 مم.
لكن هناك اختلافًا مهمًا بين T.50 والسيارات التي تعتمد على المراوح لتوليد قوة شفط مباشرة أسفل الهيكل بالكامل.
ففي سيارة GMA T.50، لا تعمل المروحة ببساطة على سحب السيارة نحو الطريق كما في Brabham BT46B أو McMurtry Spéirling، بل تُستخدم ضمن منظومة متقدمة لإدارة تدفق الهواء عبر المشتت الخلفي وأسفل الهيكل وحول الجزء الخلفي من السيارة.
وتساعد هذه المنظومة على تحسين كفاءة المشتت الهوائي وتقليل الاضطرابات في تدفق الهواء، إلى جانب إمكانية خفض مقاومة الهواء في بعض أوضاع التشغيل.
لماذا لا تستخدم جميع السيارات الخارقة تقنية المراوح؟
رغم القدرات الكبيرة التي توفرها هذه التقنية، فإن تطبيقها في السيارات الخارقة التقليدية يواجه مجموعة من التحديات الهندسية، التي تجعلها أكثر ملاءمة للسيارات المخصصة للحلبات.
ومن أبرز هذه التحديات استهلاك الطاقة، إذ تحتاج المراوح عالية الأداء إلى قدر كبير من الطاقة الكهربائية أو الميكانيكية لتشغيلها، ما يزيد من تعقيد المنظومة وقد يؤثر على كفاءة السيارة.
كما تتطلب المراوح والمحركات والقنوات الهوائية والفلاتر والهياكل الداعمة مساحة إضافية ووزنًا أكبر، وهو ما يفرض تحديات في توزيع المكونات حول المحرك ونظام التعليق والبطاريات ومنظومة التبريد.
وتواجه التقنية أيضًا مشكلة التعامل مع الأتربة والحصى والمياه والمخلفات التي قد تدخل إلى نظام سحب الهواء من أسفل السيارة، ما يستلزم توفير فلاتر ومكونات حماية مناسبة.
ويُعد ارتفاع السيارة عن الأرض Ground Clearance عاملًا مهمًا كذلك، إذ تعتمد كفاءة نظام الشفط على التحكم الدقيق في تدفق الهواء أسفل الهيكل، وهو أمر قد يتأثر بالمطبات وتغير ارتفاع السيارة وحالة سطح الطريق.
ومن ناحية أخرى، قد تنتج المراوح التي تعمل بسرعات دوران مرتفعة مستويات كبيرة من الضوضاء، إلى جانب تعرض مكوناتها لإجهادات ميكانيكية مستمرة، ما يزيد من صعوبة تطوير منظومة موثوقة للاستخدام المتكرر.
كما أن معظم السائقين لن يحتاجوا إلى مستويات القوة الضاغطة التي توفرها هذه التقنية خلال القيادة على الطرق العامة، وهو ما يجعل استخدامها في سيارة مخصصة للحلبات أكثر منطقية من الناحية الهندسية والاقتصادية.
مستقبل السيارات المزودة بالمراوح ..هل تصبح الكهرباء عاملًا حاسمًا؟
قد تساعد منظومات الدفع الكهربائية على جعل تقنية المراوح أكثر قابلية للتطبيق في المستقبل، إذ يمكن للمحرك الكهربائي تشغيل المروحة بصورة مستقلة عن سرعة دوران محرك السيارة، مع إمكانية التحكم الدقيق في تدفق الهواء حسب الحاجة.
وتتيح هذه الخاصية تصميم منظومات متكاملة تجمع بين المحركات الكهربائية وأنظمة الديناميكا الهوائية، كما هو الحال في McMurtry Spéirling.
ومن الممكن أن تصبح أنظمة التحكم النشط أكثر تطورًا، بحيث تعدل سرعة المراوح وفقًا لسرعة السيارة، وقوة الكبح، وزاوية التوجيه، ووضع القيادة المستخدم.
ويمكن لهذه الأنظمة أن توفر قوة تماسك إضافية في اللحظات التي يحتاج فيها السائق إليها، مع تقليل استهلاك الطاقة ومقاومة الهواء في الحالات الأخرى.
وتوضح هذه التقنية كيف يمكن للتطور الهندسي أن يغير المفاهيم التقليدية في تصميم السيارات الخارقة، إذ لم يعد توليد القوة الضاغطة مقتصرًا على الأجنحة والهيكل، بل أصبح بالإمكان استخدام أنظمة ميكانيكية نشطة للتحكم في ضغط الهواء أسفل السيارة، حتى وهي ثابتة.




















